بسم الله الرحمن الرحیم
العهدة-الذمة-الوفاء
فهرست علوم
فهرست فقه
علم الحقوق
كتاب الضمان
الگوریتم ضمان-متلف-تالف-تلافي
الضمان الحکمی الشرعی و الضمان العقدی
الأمانة الشرعية و الأمانة المالكية
فهرست جلسات مباحثه فقه الضمانات
فهرست جلسات فقه هوش مصنوعي
ساختار درختی عقود-ایقاعات-تحلیل و ترکیب
العقد-الایقاع-الفرق بین العقود و الایقاعات
تقسیم مباحث الفقه-التقسیم الرباعي-العبادات-العقود-الایقاعات-الاحکام
متلف-تالف-ضمان
قرار ضمان-تعاقب ایدي
مباشرت-تسبیب-علت-سبب-شرط
عمد-شبه عمد-خطأ محض
هدر
استناد
تعلق حق به رقبة
وفاء دین الغیر تبرعا-ضمان دین الغیر تبرعا-رضایت-اذن-عدم الرد-مدیون-مضمون عنه
هل الابراء یحتاج الی القبول-شرط رضایت-عدم الرد
انواع القبول-رضایت-ردّ-جزء-شرط-مانع-انعقاد-استقرار-لزوم-مراعی-معلق-تعلیق-تزلزل
بیع الدین-بیع ما فی الذمة
حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني، ط - الحديثة)؛ ج2، ص: 313
هذا كله بناء على القول باشتغال الذمة بالبدل.
و أمّا إذا قلنا بأنّ العين بنفسها تدخل في عهدة ذوي الأيدي، و أنّ العهدة وعاء الأعيان و الذمة وعاء الأموال، فالعين لشخصيتها و اعتبارية محالها لا توجب محذور تعدد الحصص، و لا هناك عنوان البدلية، نعم أثر العهدة وجوب الرد ما دام ممكنا، و وجوب دفع المثل و القيمة عند تلف العين، و قد عرفت أنّ إيجاب بدل واحد على الجميع كفائيا معقول.
و قد بيّنا- في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد «1»- أنّ قوله عليه السّلام (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) «2» يدل على أنّ المأخوذ على عهدة ذي اليد، و العهدة هو الأمر الفعلي القابل لأن يكون مغيّى بالأداء، و قد تقدّم الكلام فيه مفصلا، و سيأتي «3» إن شاء اللّه تعالى ما هو نتيجة هذا الأمر في رجوع كل سابق إلى لاحقه.
حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني، ط - الحديثة)؛ ج2، ص: 325
توضيحه: أنّ الملكية و إن لم تكن من المقولات الحقيقية- حتى لا يعقل تعلقها بالتالف و المعدوم- بل من الاعتبارات، و اعتبار ملكية التالف- و إن كان في حد ذاته ممكنا- إلّا أنّه لغو، حيث لا يعتبر العرف مالكية الإنسان لأمواله التالفة في مدة عمره.
نعم إذا كان أثر مصحح للاعتبار يمكن شرعا و عرفا اعتبار ملكية المعدوم و التالف، و هنا لمكان اعتبار وجود العين في عهدة ذي اليد لا في ذمته- فإنّها وعاء الأموال، و العهدة وعاء الأعيان الخارجية- لا مانع من اعتبار ملكيتها، لأنّ ملكيتها لا باعتبار كونها تالفة، بل باعتبار كونها موجودة في العهدة، و بهذا الاعتبار يصح الصلح عليها و احتسابها، و حينئذ إذا قام المدفوع مقامها لفرض كونه بعنوان البدلية قامت مقام المدفوع، فيضاف البدل إلى المالك و تضاف العين إلى الدافع، و إلّا لم تحصل البدلية، بل كان ملكا لا بعنوان البدلية،
حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني، ط - الحديثة)؛ ج3، ص: 110
و يمكن أن يقال: إنّ مفاد قوله صلّى اللّه عليه و آله (على اليد)- كما مر في محله «1»- ليس اشتغال الذمة بالبدل ليرد المحذور، بل دخول نفس العين المأخوذة في العهدة، و للعهدة أثر تكليفي محض، كوجوب رد العين إلى مالكها و أثر مالي و هو اقامة بدله مقامه، من دون اعتبار الذمة التي هي وعاء الأموال كالعهدة التي هي وعاء الأعيان، فمقام الثبوت لا يقتضي إلّا قيام المثل أو القيمة مقام التالف ليكون موردا لانتفاع الموقوف عليه، كما كان مبدله التالف كذلك.
________________________________________
اصفهانى، محمد حسين كمپانى، حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني، ط - الحديثة)، 5 جلد، أنوار الهدى، قم - ايران، اول، 1418 ه ق
منية الطالب في حاشية المكاسب؛ ج1، ص: 138
و بعبارة واضحة مقتضى على اليد ما أخذت حتى تؤدّي أن يستقرّ في عهدة الضّامن نفس العين ما دامت موجودة فإنّ أداءها بأداء الخصوصيّة العينيّة و أمّا إذا تلفت فلا يمكن أن يكون شخص العين في العهدة لا وضعا و لا تكليفا أمّا تكليفا فواضح و أما وضعا فلأن الذمّة و إن كانت وسيعة إلّا أن ما يدخل فيها هو الكليّات دون الأشخاص فإنّ الاعتبار العرفي لا يساعد على دخول ما يستحيل أداؤه أبدا في الذمّة بل مقتضى كون شخص العين بشخصيّتها في الذمّة سقوط الضّمان فلا محالة عند التّلف ليس خصوص العين في الذمّة إلّا أن سقوط شخصيّة العين لا يقتضي أن يكون الماليّة المتقدّرة بقيمة خاصّة في الذمّة بل يمكن أن يكون غير شخص العين من سائر الصّفات في ذمّة الضّامن و مجرّد عدم وجودها هذه الصّفات فعلا و لا يقتضي سقوطها و الانتقال إلى القيمة غاية الأمر حين مطالبة المالك تقوم الخصوصيّة أيضا و في مقام الوفاء يؤدي إمّا من الجنس أو من غير الجنس بل لو لم نقل بأنّ شخص الجارية الّتي تلفت مثلا عند القابض في ذمّته إلّا أنّ تقديرها بمجرّد التّلف بالقيمة لا وجه له بل تبقى في ذمّته غير متقدّرة بمقدار من القيمة
و بعبارة أخرى تتعلّق بالذمّة ماليّة المال غير متقدّرة بالقيمة و ماليّة الشّيء الّتي يبذل بإزائها المال هي في الجارية عبارة عمّا يخدم المالك و في الحنطة عبارة عما يشبعه و في الثّوب عمّا يستره و نحو ذلك و هي قابلة لأن يتعلّق بها الضّمان و تكون هي في الذمّة نعم لو طالب المالك يقوّم بقيمة يوم المطالبة و تدفع بدلا عمّا في الذمة
________________________________________
نائينى، ميرزا محمد حسين غروى، منية الطالب في حاشية المكاسب، 2 جلد، المكتبة المحمدية، تهران - ايران، اول، 1373 ه ق
منية الطالب في حاشية المكاسب؛ ج1، ص: 141
و لا يقال ما لا يمكن أداؤه لا يمكن أن يثبت في الذمّة و لذا يسقط الخصوصيّة العينية بتلف العين و ينتقل ما في الذمّة إلى المثل أو القيمة لأنا نقول فرق بين تلف العين و إعواز المثل من جهتين
الأولى أنّ الخصوصيّة العينيّة لا يمكن أن تدخل في الذمّة بل الصّفات و الكليّات قابلة لأن تدخل في الذمّة نعم الشخص يدخل تحت العهدة بمعنى أنّه ما دام موجودا فعلى الضّامن ردّه فدليل اليد يقتضي ضمان الجامع بين العين و البدل فإنّ أداء المضمون إنّما هو بأداء الأعمّ من أداء شخصه و بدله فسقوط العين عن الذمّة تكليفا و وضعا لا يقتضي سقوط المثل في المثلي المتعذّر مثله كذلك فإن الصّفات كالكلي قابلة لأن تبقى في ذمّة الضّامن
________________________________________
نائينى، ميرزا محمد حسين غروى، منية الطالب في حاشية المكاسب، 2 جلد، المكتبة المحمدية، تهران - ايران، اول، 1373 ه ق
***********************
از سایت:
https://mbsadr.ir/library/mt255/
محاضرات تأسيسية 255
الفصل الأوّل: حقيقة الحوالة والأنحاء المتصوّرة فيها
المقام الأوّل: المباحث التمهيديّة
وتحقيق هذا الفصل يتمّ بتقديم امور ثلاثة:
الأمر الأوّل: الفرقُ بين الذمّة والعهدة والنسبة بينهما:
از نرم افزار جامع فقه نور:
مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام (بالعربية)؛ ج20، ص: 62
الحوالة حقيقتها و بعض مقوماتها
تقرير بحث سيّدنا الشهيد السعيد آية اللّٰه العظمى السيّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه الشريف) ألقاه في ليالي شهر رمضان سنة 1390 ه. ق الشهيد آية اللّٰه السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره
تقرير: سماحة السيّد علي رضا الحائري
مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام (بالعربية)؛ ج20، ص: 66
الفصل الاول في بيان حقيقة الحوالة و الأنحاء المتصوّرة فيها
و تحقيق هذا الفصل يتم بتقديم امور ثلاثة:
الأمر الأوّل: في أنّ الديون كلها تشتمل على إحدى المرتبتين:
الذمّة و العهدة، فلا بد من بيان معنى الذمّة و العهدة، فنقول:
إنّ الذمّة و العهدة من المفاهيم التي وضعها الفقه الإسلامي، فهما وعاءان اعتباريان من الاعتبارات العقلائية يختلفان من حيث المظروف الذي يحتويانه، فإن كان المظروف أمراً شخصياً و عيناً خارجية فظرفه العهدة، و إن كان أمراً كليّاً لا شخص له خارجاً فظرفه الذمّة، فالذمة: هو الوعاء الذي صاغه العقلاء و اعتبروه ظرفاً للُامور الكلّية، و العهدة: هو الوعاء الذي صاغوه و اعتبروه ظرفاً للُامور الجزئية الشخصية الخارجية.
مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام (بالعربية)، ج20، ص: 67
و هذا التعريف المزبور لكل من الذمّة و العهدة كأنه مأخوذ من ارتكازات العقلاء في باب الغصب؛ حيث رأوا أنّ العين المغصوبة إذا كانت موجودة يقال: إنّها في عهدة الغاصب، فإذا تلفت يقال: إنّها في ذمّته، و حيث إنّ العين قبل تلفها أمر خارجي و بعده عبارة عن المثل أو القيمة فمن هنا تخيّل أنّ الفارق الأساسي بين العهدة و الذمّة هو: أنّ الأوّل ظرف للشيء الخارجي و الثاني ظرف للشيء الكلي الذي لا وجود له خارجاً، بينما نرى أنّ بينهما بحسب الحقيقة فرقاً جوهرياً في تركيبهما العقلائي، و الفرق الذي ذكروه إنّما هو من نتائج ذاك الفرق الجوهري الحقيقي، و حاصل هذا الفرق الحقيقي:
أنّه لو واجهنا السؤال الآتي: ما هو معنى الذمّة؟ فنقول في جوابه: إنّ العقلاء اتفق لهم في كثير من الأحيان أن كانوا في مقام التمليك و التملّك من دون أن تتيسّر لهم أعيان خارجية يصبّون عليها التمليك أو التملّك، كما في المعاوضات التي لا يتيسّر لكلا الطرفين أو لأحدهما مال خارجي يوقع عليه العقد، و كما في باب التحميلات القانونية من قبيل الحكم على من أتلف مال غيره بأنه يجب عليه إيفاء مثله له مع عدم وجود المثل عنده، ففي مثل هذه الموارد- التي احتاج فيها العقلاء إلى جعل تمليكات على الأموال من دون أن تتيسّر لهم أموال و أعيان خارجية- اخترع وعاء سمّي بالذمة، و فرض فيه وجود أموال هي في الحقيقة مفهومات خارجية معتبرة بالمعنى الحرفي لا بالمعنى الاسمي؛ بمعنى أنّ نسبة المال الموجود في الذمّة إلى المال الموجود خارجاً نسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي في كون الأوّل رمزاً و معنى آليّاً دون الثاني الذي هو معنى استقلالي، فالملكية انصبّت- في الموارد المزبورة التي احتيج فيها إلى جعل تمليكات مع عدم وجود أعيان خارجية- على المعنى الآلي الذمّي بلحاظ كونه مرآة للخارج، فإذا فرض أنّ في ذمّة زيد عشرة دنانير فمعناه أنّ هذه العشرة دنانير أموال رمزيّة و مرآة لتلك الأموال الخارجية، و إنّما فرض ذلك لكي يترتب على هذه الأموال الرمزيّة نفس الأثر
مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام (بالعربية)، ج20، ص: 68
المترتب على الأموال الخارجية؛ فإنّه لا يمكن تصوّر العشرة دنانير غير الموجودة خارجاً إلّا بوجودها الذمّي الرّمزي، و إلّا فهي ليست موجودة بين الأرض و السماء من دون أن تستقر لا في الذمّة و لا في الخارج، إذن فالذمة وعاء للأموال الرمزية و ليست وعاءً للخارج، فليس تقسيم الدين إلى الذمّة و العهدة تقسيماً اعتباطياً، بل هو راجع إلى طبيعة الوعاء الذي يحتوي على الدين، فما دامت العين موجودة في يد الغاصب لا معنى لكونها في ذمّته؛ لأنّ الذمّة وعاء للرموز لا للأعيان الموجودة، و هذا التملّك الذمّي هو الذي عبّر عنه في كلماتهم قدس سرهم بشغل الذمّة، و يعبّر عن المال بالدين و عن المالك بالدائن. هذا هو تفسير الذمّة.
و أمّا العهدة فهي وعاء اعتباري آخر و ظرف لشيء آخر يختلف عمّا كانت الذمّة ظرفاً له، فالعهدة ظرف للتعهدات و المسئوليات المجعولة على الشخص سواء منها ما كان مجعولًا من قبل نفس الشخص كما في الالتزامات التي يتعهدها الشخص في العقود- و نعني بالالتزامات الشروط- و كما في النذر على بعض مبانيه، أو ما كان مجعولًا بشكل قانون عام كنفقة الأقارب لا الزوجة- فلهذه التعهدات و المسئوليّات وعاء آخر اسمه العهدة، و هي كما تكون ظرفاً للأعيان الخارجية كذلك تكون ظرفاً للأعيان الكلية، فأمّا الأوّل فكالغاصب؛ فإنّ العين الموجودة الخارجية تكون في عهدته فهو مسئول عنها، و أمّا الثاني فكالمدين؛ فإنّ الدين يترتب على وعاء الذمّة أولًا فتصير ذمّته مشغولة، و بعد ذلك يكون عليه مسئولية الوفاء.
إذن فقد اتّضح أنّ الدين له مرتبتان: الذمّة أو اشتغال الذمّة، و هو تملّك المالك شيئاً ملصقاً بذمّة الآخر، و العهدة و هي مسئولية الوفاء التي تقع على عاتق المدين، و اتّضح أنّ النسبة بين الذمّة و العهدة هي العموم من وجه:
فمادّة الاجتماع واضحة.
مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام (بالعربية)، ج20، ص: 69
و مادة افتراق العهدة عن الذمّة لها أمثلة:
منها: ما إذا كانت العين في يد الغاصب قبل التلف فعهدته مشغولة.
و منها: ما إذا تواردت أيادٍ متعدّدة على العين المغصوبة ثمّ تلفت في يد الأخير، بناءً على مبنى صاحب الجواهر رحمه الله حيث فرّق بين من تلفت العين عنده فذمّته مشغولة و بين من قبله فعهدتهم مشغولة «1».
و منها: ما إذا باع شيئاً و قبض الثمن و لم يُقبض المبيع، فعهدة البائع مشغولة لا ذمّته.
و مادّة افتراق الذمّة عن العهدة هو المدين العاجز عن أداء الدين؛ فإنّ ذمته مشغولة و لكن مسئوليته ساقطة، أي لا عهدة عليه.
و الآن بعد ما اتضح لنا معنى العهدة و الذمّة فيجب علينا أن نعرف أنّ الحوالة هل هي تصرّف بلحاظ العهدة أو بلحاظ الذمّة، فإذا كان زيد مديناً لعمرو بمائة مثلًا، ثمّ أحال زيد عمراً على خالد بأن يأخذ الدين منه، فزيد المدين هو المحيل و عمرو الدائن هو المحال، و خالد المعطي هو المحال عليه، و المال هو المحال به فهل يكون تصرّف زيد في الدين تصرّفاً في الذمّة أو في العهدة؟
ذهب الفقه الجعفري إلى الأوّل و أنّ الحوالة تصرّف في الدين بلحاظ الذمّة، و ذهبت جملة من المذاهب الاخرى غير الجعفرية إلى الثاني و أنها تصرّف بلحاظ العهدة. و سيأتي توضيح الكلام في ذلك إن شاء اللّٰه تعالى.
**********************
از سایت:
https://mbsadr.ir/library/mt219/
محاضرات تأسيسية--ص219
3- المقدّمة الثالثة: تحليل عقلائي لمقولة الذمّة
بعد أن عرفنا أنّ الإنسان يصلح لأن يتملّك الأعمال والأموال الخارجيّة، فقد تدعوه الحاجة إلى فرض ملكيّةٍ من دون حضور نفس المملوك بوجوده الخارجي الحقيقي، أي دون أن تسلّط هذه الملكيّة على نفس المملوك بوجوده الحقيقي الخارجي:
أ- إمّا لأنّ المملوك- بوجوده الخارجي- غير متحقّق أصلًا، كمن لا يملك حنطة خارجاً، ومع ذلك يريد أن يملك عليها حنطة، أو نقداً: إمّا بالمعاوضة، وإمّا بغيرها من الأسباب الاخرى.
ب- وإمّا أن يفرض أ نّه يملك بحسب الخارج حنطةً ونقداً وأموالًا كثيرة، لكن مع هذا يريد أن يملك على ذلك حنطة أو نقداً، دون أن يمسّ ذلك حرّيّته بالنسبة إلى أمواله الخارجيّة، بحيث يبقى مطلق العنان في أمواله هذه، يأمر وينهى ويتصرّف. فكيف يتوصّل إلى ذلك؟!
إنّه يقوم باستحداث رمز ومعنى حرفي يشير إلى تلك الموجودات الخارجيّة، ويجعل ذلك المعنى الرمزي أو الحرفي هو مصبّ الملكيّة، وهذا المعنى الرمزي أو الحرفي- الذي سيحدث ويكون مصبّ الملكيّة ومركزها- عبارة عن المال بوجوده الاعتباري، فبدل أن نملّك هذا الشخص منّاً خارجيّاً من الحنطة- فيقع إشكال عدم ملكيّة الآخر للحنطة، أو رغبته في أن يظلّ مطلق العنان في الحنطة التي عنده- نملّكه منّاً اعتباريّاً من الحنطة يملكه بوجوده
**********************
محاضرات تأسيسية 220
الاعتباري الرمزي، لا بوجوده الخارجي الحقيقي.
وبهذا نكون قد تمكّنّا من تعقّل ملكيّة زيدٍ لمنٍّ من الحنطة على الرغم من أ نّه لا يملك منّاً منها في الخارج، أو على الرغم من أ نّه وإن كان يملك، لكنّه يريد أن يبقى مطلق العنان بالنسبة إلى أمواله الخارجيّة، وأن لا تكون هذه الأموال مشتغلةً مدينةً بحقّ من حقوق الآخرين.
وحيث اريد من المالكيّة في هذا المال الاعتباري- الملحوظ بما هو معنى رمزي وحرفي مشير إلى الخارج- الملك على شخصٍ بعينه، لا الملك المعلّق بين الأرض والسماء[1]، فكيف تحصل هذه الإضافة وكيف نعبّر عنها؟!
قد يُقال: «منّ من الحنطة التي يملكها هذا الشخص». لكنّ هذا خلف؛ لأ نّنا حينما نقول ذلك نكون قد رجعنا إلى ما يملكه خارجاً، والمفروض أ نّنا لا نريد أن نصبّ ملكيّتنا على ما يملكه بحسب الخارج، فلا بدّ وأن نستحدث وعاءً داخليّاً في ذات هذا الشخص لسلطةٍ وهميّة اعتباريّة خارج وعائه الخارجي الذي فيه أوزان من الحنطة، فيكون مصبّ الملكيّة هو الحنطة الموجودة في ذلك الوعاء الخاصّ الملتصق بذات زيد. وإنّما فرضناه ملتصقاً به؛ لكي يكون هو المملوك عليه، لا أن يكون المملوك عليه شخصاً آخر، فلا بدّ وأن يمسّ هذا الوعاء شخصيّته ويخصّ وجوده حتّى يكون الملك ملكاً عليه.
-----------------------
[1] « أي أنّ هذا الملك يُضاف إلى شخصٍ يتملّكه؛ إذ لو لم يضف كذلك فلن يكون هناك معنى لأن يملك؛ إذ لا يكون حينئذٍ مستحقّاً للمطالبة من شخصٍ بعينه، فهذا العنوان الكلّي ليس مالًا بحسب النظر العقلائي وجديراً بالملكيّة وتعلّق حقّ الآخرين به ما لم يُضف إلى شخص، وإلّا فما دام معلّقاً بين الأرض والسماء لا تصبّ عليه الملكيّة بحسب الارتكاز العقلائي، وهذا الشخص هو الذي نريد أن نملِكَ عليه منّاً من الحنطة، ألا وهو المديون، فنضيف هذا المنّ من الحنطة إليه».( منه قدس سره)
**********************
محاضرات تأسيسية 221
من هنا، استحدث الارتكاز العقلائي الوعاء الاعتباري الذي صاغته صناعة الفقه الإسلامي في مصطلح (الذمّة). وأراد الارتكاز العقلائي من هذا المصطلح أن يقنّن وجود وعاء اعتباري ملصق بشخص الإنسان، يكون صالحاً لتعلّق الملكيّة بأشياء وهميّة في داخله، وهكذا تحدث الذمّة لإيجاد هذه الأموال الاعتباريّة فيها؛ كي تُسْقَط هذه الملكيّة على هذه الأموال الاعتباريّة. وحيث كانت الذمّة وعاءً اعتباريّاً ملصقاً بشخصية الإنسان- بل جزءاً منها بحسب الارتكاز العقلائي- شملت سيطرة الإنسان على نفسه؛ فتلك السلطنة التي كانت ثابتةً للإنسان على نفسه وقواه وشؤونه التكوينيّة سابقاً تنسحب وتسري إلى هذا الشأن الاعتباري، وبهذا يكون الإنسان مسلّطاً على ذمّته على حدّ سلطنته على نفسه التي تحّدثنا عنها سابقاً، بمعنى أ نّه أولى من غيره بالتصرّف في ذمّته، أو أولى منهم بالاستمتاع بها والاستفادة منها، وهذا هو معنى كونه مسلّطاً عليها ومالكاً لها.
وعليه: فسلطنة الإنسان على ذمّته من مظاهر سلطنته على نفسه، بمعنى رجوع السلطنة على الذمّة إلى السلطنة على الذات وقواها؛ فيكون أولى من غيره بالاستفادة من هذا الوعاء الاعتباري كما كان أولى منهم بالاستفادة من نفسه أو قواه الخارجيّة.
نعم، يمكن للقانون النافذ أن يجعل أشياء في هذه الذمّة رغماً عن صاحبها، فيجعله مشغول الذمّة إذا أتلف مال الغير، ويقول له: «إذا أتلفت مال غيرك تشتغل ذمّتك»، أو يجعله مشغول الذمّة تجاه زوجته مثلًا، وهكذا .. أمّا مع قطع النظر عن القانون النافذ، يكون الإنسان نفسه هو المسلّط على هذه الذمّة وأولى من غيره بها.
**********************
محاضرات تأسيسية 222
الفرق بين الذمّة وبين العهدة:
وبهذا الترتيب الذي شرحنا به الذمّة يتبيّن الفرق بينها وبين العهدة؛ فالعهدة- كما أشرنا إليها في ما سبق- تشترك مع الذمّة في كونهما وعاءين اعتباريّين، إلّا أ نّهما يختلفان في طبيعة وظيفتهما الفقهيّة ودورهما ومضمونهما الاعتباري.
إنّني لم أجد فقهاً ميّز ما بين الذمّة والعهدة غير الفقه الجعفري، وهذا التمييز من ألطف التمييزات التي وجدتها في الفقه الجعفري، إلّاأ نّه لم يكتسب صيغةً دقيقة على أيدي فقهاء الجعفريّة.
ولعلّ من أشهر الصيغ التي قيلت في مقام التمييز بين الذمّة وبين العهدة ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله[1]، من أنّ العهدة وعاءُ الأعيان الخارجيّة، فيما الذمّة وعاء الأموال الكلّيّة، وقد أخذ ذلك من ارتكاز باب الضمان؛ حيث يقال للغاصب هناك حينما يغصب الكتاب وقبل أن يتلفه: «إنّ هذا الكتاب في عهدتك»، أمّا بعد إتلافه له، فيقال له: «إنّ قيمته في ذمّته». وللتمييز بين التعبيرين قال الميرزا النائيني رحمه الله: إنّ العين قبل أن تتلف تكون عيناً خارجيّة وشخصيّة، فيعبّر عنها بأ نّها في العهدة، فالعهدة ظرفٌ للعين. أمّا بعد التلف، فينتقل المال من العين الخارجيّة إلى الأمر الكلّي، وهذا الأمر الكلّي يعبّر عنه ب (الذمّة).
إذن: فالذمّة وعاء الكلّيّات، بينما العهدة وعاء الشخصيّات. وأظنّ أنّ هذا التعبير هو الذي نقل ذهن الميرزا النائيني رحمه الله إلى مثل هذه الصيغة في التفرقة
---------------------
[1] منية الطالب في شرح المكاسب 1: 308؛ المكاسب والبيع( النائيني) 1: 352؛ وانظر: حاشية كتاب المكاسب( الإصفهاني) 2: 313، 325 و 3: 110
**********************
محاضرات تأسيسية 223
بين الذمّة وبين العهدة.
إلّاأنّ ما افيد من أنّ الذمّة وعاء الكلّيّات لا الأعيان الشخصيّة وإن كان صحيحاً ولطيفاً، إلّاأ نّه ليس لأجل أنّ العهدة وعاء الأعيان الشخصيّة والذمّة وعاء الامور الكلّيّة؛ بل لأنّ الذمّة حيث كانت وعاء الأموال بالمعنى الحرفي- تلك الأموال التي نريد أن نصبّ عليها الملكيّة بهذا المعنى المشير إلى الخارج- وكانت هذه العين الخارجيّة عيناً خارجيّة قائمة بالفعل، فالملك منصبّ عليها بالمعنى الاسمي، ولا تحتاج حينئذٍ ملكيّةُ العين الخارجيّة إلى استحداث رمز يدخل في وعاء الذمّة ثمّ تنصبّ عليه هذه الملكيّة، فإذا جاءت الحقيقة بطل الرمز؛ فما دامت الملكيّة قد وجدت مجالًا لأن تنصبّ على المعنى الاسمي، فلا موجب- بحسب الارتكاز العقلائي- لاستحداث رمز ومعنى حرفي لهذا المعنى الاسمي وصبّ الملكيّة على ذلك المعنى الحرفي في وعاء الذمّة استطراقاً إلى ملكيّة العين؛ فإنّه تحصيلٌ للحاصل بالعناية والتعبّد.
ولهذا انعقد الارتكاز العقلائي على أنّ الذمّة ليست وعاءً للعين الخارجيّة؛ على أساس أ نّها وعاءٌ رمزي للمعاني الرمزيّة، وعاءٌ نحتاجه حينما تعوزنا الحقيقة ونريد أن نصبّ الملكيّة عليها ولا تكون موجودةً، فنستحدث رمزاً نصبّ الملكيّة عليه بما هو معنى حرفي.
أمّا حيث تكون الحقيقة قائمة ويكون انصباب الملكيّة على نفس الموجود الخارجي ممكناً، فلا وجه بعد هذا لإدخال العين إلى عالم الذمّة وتحويلها من خارج إلى رمز ومن معنى اسمي إلى معنى حرفي وصبّ الملكيّة عليها.
فالذمّة- بناءً على هذا- إنّما لا تدخلها العين الخارجيّة لهذا السبب،
**********************
محاضرات تأسيسية 224
لا للتقارب القائم بين عنوان العين الخارجيّة وبين عنوان العين الكلّيّة.
أمّا الفرق الحقيقي بين الذمّة وبين العهدة، فهو ما أشرنا إليه واتّضح من خلال الكلام، وهو: أنّ الذمّة وعاءٌ لأموال وهميّة تتعلّق بها الملكيّة. أمّا العهدة، فهي وعاء لمسؤوليّات والتزامات. والفرق بينهما على حدّ الفرق ما بين الأحكام التكليفيّة والأحكام الوضعيّة:
أ- فالذمّة وعاءٌ لمصبّ الحكم الوضعي، أي المال الوهمي الاعتباري الذي تعلّقت به الملكيّة، التي هي حكم وضعي.
ب- والعهدة وعاءٌ لالتزامات وتحميلات تكليفيّة ومسؤوليّات قد يوقعها الإنسان على نفسه، وقد يوقعها القانون عليه.
فلزوم الإنفاق على الزوجة من شؤون العهدة، واشتغال الذمّة بالنفقة من شؤون الذمّة، وهكذا .. فدائماً: الذمّة وعاء الأموال المملوكة، والعهدة وعاء الالتزامات المحمّلة، إمّا من قبله، أو من قبل قانونٍ نافذ عليه.
والعبارة التي لعلّها صارت سبباً لانتباه الميرزا النائيني رحمه الله هي ما يقوله فقهاؤنا: من أنّ العين في عهدة الغاصب، فإذا تلفت كانت قيمتها في ذمّته[1]. فتغييرهم للعبارة لم يكن من باب تحوّل الجزئي إلى الكلّي، بل حصول تحوّل من الحكم التكليفي إلى الحكم الوضعي؛ إذ ما دامت العين موجودةً كان هذا الشخص مسؤولًا عن إرجاعها، وهي مسؤوليّةٌ ظرفها ووعاؤها العهدة؛ لأنّ العهدة وعاء المسؤوليّات، ولهذا يقول فقهاؤنا: «يكون في عهدته».
أمّا إذا تلفت العين، فيتولّد شغل الذمّة ويصبح مديناً في المقام بقيمته؛ لأن
---------------------
[1] راجع مثلًا: المباني في شرح العروة الوثقى( المضاربة والمساقاة): 466. وقد تعرّض الشهيد الصدر قدس سره لهذا البحث في أبحاثه الاصوليّة، فراجع: مباحث الاصول ق 2، 4: 291، 292، 598
**********************
محاضرات تأسيسية 225
العهدة هنا لا تكفي؛ إذ أين مملوك هذا المالك؟! والعهدة إنّما هي عهدة إيصال المال إليه، فأين ماله وقد تلف المال الخارجي؟! فلا بدّ من أن نفرض له مالًا، وليس إلّاذاك الفرض الذي يكون في وعاء الذمّة، حيث هو وعاء الأموال، فنفرض للغاصب مالًا فيها ونقول: «إنّ في ذمّته مالًا»، وهو ما لا ينافي بقاء العهدة، لكنّها عهدة المال الكلّي لا المال الشخصي، أي أ نّه بعد أن تلفت العين اشتغلت الذمّة بالمال الكلّي والعهدة بمسؤوليّة دفع هذا المال الكلّي، فأصبح عنده الآن عهدةٌ وذمّة.
النسبة بين الذمّة وبين العهدة:
هذا هو الفرق بين مصطلحي: (الذمّة) و (العهدة)، والنسبة بينهما- وفق استقراء الفقه الإسلامي- هي العموم من وجه؛ فقد تثبت عهدةٌ وذمّة، وقد تثبت عهدةٌ ولا ذمّة، وقد تثبت ذمّةٌ ولا عهدة.
1- أمّا موارد اجتماع العهدة والذمّة، فهي الغالب.
2- وأمّا موارد انفكاك العهدة عن الذمّة- بمعنى وجود عهدة وعدم وجود ذمّة- فلها مصاديق كثيرة في الفقه، منها:
أ- الغاصب قبل تلف العين المغصوبة، حيث العهدة موجودة دون الذمّة؛ لأ نّه مكلّف ومسؤول عن إيصال المال إلى صاحبه.
ب- ومنها ما لو فرض أ نّه توارد على الكتاب الواحد المغصوب أيادٍ متعدّدة وتلف في يد الأخير، وقلنا: إنّ تكليف الأخير تكليفٌ وضعي وتكليفَ مَنْ قَبْلَه تكليفٌ صرف- كما اختار ذلك صاحب (الجواهر)[1]– فحينئذٍ- بناء
------------------
[1] جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 26: 113، 37: 34
**********************
محاضرات تأسيسية 226
على هذا- تكون العهدة ثابتةً من قبل الأخير بالنسبة إليه. أمّا الذمّة، فلا ثبوت لها بالنسبة إليه؛ ولذا يجب عليه دفع الكتاب إلى صاحبه، ثمّ يرجع إلى ما قبل الأخير بقيمته.
ج- ما لو فرض أنّ شخصاً ضَمِنَ دَين الغير، وقلنا في الضمان بمذهبٍ لا يقول به أكثر فقهائنا؛ فإنّ أكثر فقهائنا يقولون: إنّ الضمان هو نقل الدَّين من ذمّةٍ إلى ذمّة[1]، وأكثر فقهاء أهل السنّة يقولون: إنّه ضمّ ذمّةٍ إلى ذمّة[2]، وبعض الفقهاء يقولون[3]: إنّ الضمان ليس هذا ولا ذاك، إنّما هو نقل المسؤوليّة، أي التعهّد، بمعنى بقاء المديون الأوّل على حاله، مع تعهّد.
وهنا، إذا قلنا: إنّ الضمان عبارة عن التعهّد، وعن المشاركة بالمسؤوليّة أو نقل المسؤوليّة، فحينئذٍ تكون عهدة هذا الضامن في المقام ثابتةً بالنسبة إليه، أمّا الذمّة فغير موجودة بالنسبة إليه.
د- من يبيع عيناً خارجيّة بعوض؛ فإنّ هذا ليس مديوناً، إلّاأنّ في عُهدته تسليم هذا المال إلى المشتري؛ فهو مسؤول عن ذلك: إمّا مسؤوليّةً قانونيّةً إذا قلنا: إنّ تسليم المبيع أحد الامور الواجبة في نفسه قانونيّاً، بحيث يكون ذلك من شؤون المعاملة؛ وإمّا عبر الشرط الضمني في المعاملة. فهو على أ يّة حال يحمل في عهدته تسليم المبيع، لكنّه لا يُسمّى ديناً.
--------------------
[1] انظر: الخلاف 3: 314؛ المكاسب والبيع( النائيني) 2: 297؛ مصباح الفقاهة 2: 229. وراجع: البنك اللاربوي في الإسلام: 231، الملحق( 9)
[2] انظر: المجموع( النووي) 13: 434- 435؛ بدائع الصنائع( الكاشاني) 6: 10؛ المغني والشرح الكبير( موفّق الدين وشمس الدين ابنا قدامة) 5: 59؛ الموسوعة الفقهيّة 18: 170
[3] ردّ المحتار على الردّ المختار( حاشية ابن عابدين) 4: 291؛ المدخل الفقهي العام 3: 63
**********************
محاضرات تأسيسية 227
ه- نفقة الأقارب غير الزوجة؛ فإنّها عهدة وليست ذمّة؛ لأنّ ذمّته لا تشتغل، لكنّه مسؤول مسؤوليّةً قانونيّة عن ذلك.
3- أمّا موارد انفكاك الذمّة عن العهدة، فكما لو فرض أنّ ذمّة زيد كانت مشغولةً لشخص، ثمّ أصبح كافراً حربيّاً، فهذا الكافر يسقط احترام ماله، وهو سقوط عهدته، لكنَّ ذمّته تبقى ثابتةً بالنسبة إلى زيد.
مقولة الذمّة بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي:
يختلف تصوّر الذمّة في الفقه الغربي عنه في فقهنا الإسلامي، وهو اختلاف مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالاختلاف في تصوّر مفهوم الدَّين نفسه؛ حيث نتصوّر نحن الذمّةَ وعاءً للدَّين، وهنا يبدأ رأسُ الخيط وتمييزُ تصوّرنا للدَّين عن تصوّر الفقه الغربي، أو بالأحرى: الفقه الروماني الذي ورث عنه الفقه الغربي تصوّراته الأساسيّة ومقولاته الكلّيّة.
1- إنّ الدَّين في الفقه الإسلامي- بحسب ما يعزّزه الارتكاز المعاش والأساليب التي تعبّر عنه، والتي وردت في تمام النصوص الدينيّة المنقولة عن سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله وعن الأئمّة عليهم السلام- عبارة عن مالكيّة مالٍ ملحوظٍ بنحو المعنى الحرفي، وهذا المال حيث كان ملحوظاً بالمعنى الحرفي لا الاسمي، كان محتاجاً إلى سند يشدّ إليه ويربط به، وهذا السند هو المدين، والشدّ يكون بلحاظ وعاءٍ هو وعاء الذمّة؛ فالدَّين يرجع إلى ملكيّة مالٍ، إلّاأنّ هذا المال مالٌ بنحو المعنى الحرفي.
من هنا، لم تكن الملكيّة في الفقه الإسلامي مقصورةً على خصوص الأعيان الخارجيّة، ولم تكن حقّاً عينيّاً محضاً كما هي الحال في الفقه الغربي؛
منهاج الصالحين (المحشى للحكيم)؛ ج2، ص: 196
كتاب الضمان
و انما يصلح إذا صدر عن اهله و لا بد من رضا الضامن و المضمون له و يبرأ المضمون عنه [1] و إن أنكره و ينتقل المال إلى ذمة الضامن فان كان مليا أو علم المضمون له بإعساره وقت الضمان لزم و إلا كان له الفسخ و يصح مؤجلا و إن كان الدين حالا و بالعكس و يرجع الضامن على المضمون عنه بما أداه إن ضمن باذنه و إلا فلا؛ و لا يشترط العلم بمقدار المال و يلزمه ما تقوم به البينة خاصة؛ و لا بد في الحق من الثبوت [2] سواء أ كان
______________________________
[1] الضمان على نحوين أحدهما الضمان بنحو النقل من ذمة إلى أخرى و هو الضمان المصطلح الذي تترتب عليه براءة ذمة المضمون عنه و الأخر الضمان بمعنى التعهد بما في الذمة و جعل الذمة في عهدته- و العهدة غير الذمة على ما حققناه في محله و هذا لا يوجب الانتقال و أثره انه يجب على الضامن تحصيل الدين للدائن اما بوفاء المدين أو بوفاء المتعهد و كما يتصور هذا المعنى من الضمان في الدين يتصور أيضا في الأعيان الخارجية الداخلة في عهدة غير المالك كالعين المغصوبة و المقبوض بالعقد الفاسد بل فيما يترقب استحقاق الغير له أيضا كمال الجعالة قبل العمل بل حتى مع فرض عدم العهدة سابقا و عدم ترقب استحقاق الغير له بان يكون نفس هذا الضمان مولدا للعهدة فلا يكون هناك مضمون عنه بل ضامن و مضمون له.
[2] عرفت الحال في ذلك و ان الضمان بالمعنى الثاني لا يتوقف على افتراض حق ثابت قبلا.
منهاج الصالحين (المحشى للحكيم)، ج2، ص: 197
لازما أو آئلا اليه؛ و لو ضمن عهدة الثمن لزمه مع بطلان العقد لا مع تجدد الفسخ [3] (اما الحوالة) فيشترط فيها رضاء الثلاثة سواء كان المحال عليه مدينا [4] أو بريئا أو كانت الحوالة بالجنس أو بغير الجنس و لا يجب قبولها و معه تلزم و يبرأ المحيل و ينتقل المال إلى ذمة المحال عليه و لزمه ان كان مليا أو علم بإعساره و إلا فله الفسخ؛ و لو طالب المحال عليه بما اداه فادعى المحيل ثبوته في ذمته فالقول قول المحال عليه مع يمينه، و لو أحال المشتري بالثمن أو أحال البائع أجنبيا ثم فسخ البيع لم تبطل الحوالة على الأقوى و لو بطل البيع بطلت.
(و اما الكفالة) فيشترط فيها رضاء الكفيل و المكفول له بل و كذا المكفول [5] على الأحوط، و في اشتراط الأجل قولان أظهرهما العدم و تعيين المكفول، و على الكافل دفع المكفول أو ما عليه، و من أطلق غريما من يد صاحبه قهرا لزمه إعادته أو ما عليه، و لو كان قاتلا دفعه أو الدية إذا كان القتل موجبا للدية و إلا تعين دفعه، و لو مات المكفول أو دفعه الكفيل أو سلم نفسه أو أبرأه المكفول له يبرأ الكفيل و لو عينا موضع التسليم لزم و إلا انصرف الى بلد الكفالة.
______________________________
[3] إذا قصد الضامن الضمان مع تجدد الفسخ صح ثم ان التمييز بين فرضي البطلان و تجدد الفسخ بدعوى: ان الحق ثابت في الفرض الأول دون الثاني محل نظر لأن الثمن بعد قبض البائع له مضمون عليه عقلائيا بضمان المسمى قبل الفسخ و ضمان الغرامة بعد الفسخ.
[4] الظاهر عدم اعتبار رضاه في هذه الحالة إذا كانت الحوالة بالجنس و لم يقصد بالحوالة اشغال ذمته بدين جديد مضافا الى ما سبق.
[5] الأقرب عدم اعتبار رضاه.
****************
ارسال شده توسط:
حسن خ
Monday - 29/9/2025 - 9:46
التحقيق فى كلمات القرآن الكريم، ج3، ص: 355
ذم:
مقا- ذم: أصل واحد يدل كله على خلاف الحمد، يقال ذممت فلانا أذمه فهو ذميم و مذموم: إذا كان غير حميد. و من هذا الباب الذمة و هي البئر القليلة الماء. و
في الحديث: انه أتى على بئر ذمة.
فأما العهد فانه يسمى ذماما، لأن الإنسان يذم على اضاعته منه. و هذه طريقة للعرب مستعملة، و ذلك كقولهم فلان حامي الذمار، أى يحمى الشيء الذى يغضب. و حامى الحقيقة أى يحمى ما يحق عليه أن يمنعه. و أهل الذمة:
أهل العقد. قال أبو عبيد: الذمة الأمان، في
قوله ص: و يسعى بذمتهم.
و يقال أهل الذمة لأنهم أدوا الجزية فأمنوا على دمائهم و أموالهم. و يقال في الذمام مذمة و مذمة، و في الذم مذمة. و يقال أذم فلان بفلان إذا تهاون به. و أذم به بعيره: إذا أخر و انقطع عن سائر الإبل. و شيء مذم أى معيب. و رجل مذم: لا حراك به.
مصبا- ذممته أذمه ذما: خلاف مدحته، فهو ذميم و مذموم أى غير محمود. و الذمام: ما يذم به الرجل على اضاعته من العهد. و المذمة:
مثله. و الذمام أيضا: الحرمة. و تفسر الذمة بالعهد و بالأمان و بالضمان- أيضا، و قولهم في ذمتى كذا أى في ضماني، و الجمع ذمم. و سمى المعاهد ذميا، نسبة الى الذمة بمعنى العهد. و
قوله- يسعى بذمتهم أدناهم.
- فسر بالأمان.
التهذيب 14/ 415- ذم: قال الليث: ذم يذم ذما: و هو اللوم في الإساءة و منه التذمم، فيقال: من التذمم قد قضيت مذمة صاحبي، أى أحسنت ألا اذم. و الذمام: كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها: المذمة، و من ذلك يسمى أهل الذمة، و هم الذين يؤدون الجزية من المشركين كلهم. و الدميم بثر أمثال بيض النمل تخرج على الأنف من حر،
التحقيق فى كلمات القرآن الكريم، ج3، ص: 356
و الواحدة ذميمة. عن ابن- الأعرابى: الذميم و الذنين ما يسيل من الأنف. و عن الأصمعى: الذام و الذام جميعا: العيب. و قال ابن الأعرابى: ذمذم إذا قلل عطيته، و ذم الرجل: إذا هجى، و ذم إذا نقص.
عن قتادة في- إلا و لا ذمة*
: الذمة العهد، و الإل الحلف.
قال ابن عرفة: الذمة: الضمان، يقال هو في ذمتي أى في ضماني، و به سمى أهل الذمة لأنهم في ضمان المسلمين. قال ابن شميل: أخذتنى منه ذمام و مذمة، و على الرفيق من الرفيق ذمام، أى حشمة أى حق. و المذمة الملامة و الذمامة الحق.
و التحقيق:
أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو ما يقابل الحمد و المدح، و هو مرتبة شديدة من اللوم، يقال ذمه يذمه ذما و مذمة، فهو ذام و ذمام، و الصفة منه ذم و ذميم، و أذمه فهو مذم اى جاعل غيره ذاما لنفسه أو لغيره، بأن يأتى بما يذم عليه و يلام، و ذممته فتذمم أى فجعل يذم نفسه و لامها، و صار مذموما.
و يقال هو في ذمتي و ذمامي أى في رقبتي المذمة المترتبة منه إذا خولف العهد و لم يعمل به، فهذه الكلمة تستعمل في مورد و في عهد يترتب عليه الذم في خلافه، و هذا هو الفارق بينها و بين العهد و العقد و الضمان، فالذمة ضمان و تعهد يلتزم فيها قبول الذم و تحمله في صورة المخالفة.
و من لوازم هذا المعنى و آثاره: الحق و الحلف و الحرمة و أمثالها. كما ان العيب و اللوم و الهجو و النقص قريبة من مفهوم الذم.
فالذمة فعلة لبناء النوع، و تدل على نوع مخصوص و سنخ معين من- الذم، و هو المذمة التى تجعل على العهدة و تقبل به.
التحقيق فى كلمات القرآن الكريم، ج3، ص: 357
و الذمة فعلة لبناء المرة: تدل على قسمة من الذم، و من مصاديق الذميم و الذمة: البئر القليلة الماء، و البثر على الأنف، و ما يسيل منه.
و هذه المادة قريبة من مادة الذأم لفظا و معنى، و هو بمعنى العيب و الكريمة و قد يتداخل اللغتان، فيقال شيء مذم أى معيب، و من هذا التداخل قولهم الذام مشددا و الذام مخففا: بمعنى العيب.
ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا
- 17/ 18.
أى يذم عليه و يلام من جهة سوابقه و أعماله السيئة، و يبعد عن مقام الرحمة على سبيل الاهانة.
لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا
- 17/ 22.
يذم من جهة كونه منحرفا عن الحق و صراط الحقيقة، فهو غير منصور لا معين له.
راجع- الدحر، الخذل- الأل.
لا يرقبوا فيكم إلا و لا ذمة
- 9/ 8.
أى لا يتوجهون الى ما بينكم و بينهم من العلائق و الارتباطات الطبيعية الثابتة، و لا الى ما يتحصل من التعهد و المعاهدات الحادثة و الارتباطات المقررة العرفية، و لا يبالون في توجه المذمة اليهم من جهة خلافهم و عدم وفائهم بعهودهم.
****************
ارسال شده توسط:
حسن خ
Saturday - 11/10/2025 - 9:55
الكافي (ط - الإسلامية)، ج5، ص: 186
8- حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان بن عثمان عن يعقوب بن شعيب و عبيد بن زرارة قالا سألنا أبا عبد الله ع- عن رجل باع طعاما بدراهم إلى أجل فلما بلغ ذلك الأجل تقاضاه فقال ليس عندي دراهم خذ مني طعاما قال لا بأس به إنما له دراهم يأخذ بها ما شاء «1».
العهدة-الذمة-الوفاء